قطاع المراة
أولاً- هدف التخطيط.. المرأة في كل عملية تخطيطية يجب تحديد الهدف بكل دقة؛ وهدفنا هنا هو التخطيط لمساهمة المرأة في التنمية الاقتصادية، بمعنى أن اهتمامنا سينصب على دور المرأة في هذا المجال. وقضية المرأة هي بالحقيقة قضية نصف المجتمع من الناحية الكمية، إذ إن نسبة الذكور إلى الإناث قريبة من التساوي في كل المجتمعات، وهي في نفس الوقت قضية المجتمع كله من الناحية الكيفية؛ ذلك أن مساهمة المرأة الفعّالة في المجتمع إنما تضيف مورداً بشرياً هاماً لمواجهة تحديات التقدم والتطور والنمو، ومن ثم فإن الإيمان بضرورة تمكين المرأة من الإسهام في حياة مجتمعها عطاءً وأخذاً، قد استقرّ كضرورة من ضرورات التنمية هدفاً ووسيلة، وقد أصبح من شبه المسلّمات لدرجة أنه تولدت لدى الجميع شبه قناعة بأن للمرأة دوراً اجتماعياً وإنسانياً وتربوياً واقتصادياً عليها أن تؤديه وعلينا أن نخطط له. لكن الخلاف ينشأ عندما ننتقل إلى كيفية أداء هذا الدور، والاتجاه الذي يجب أن نسلكه في عملية التخطيط هذه؛ فالبعض يرى بأن المرأة الأم والزوجة خُلقت لتربية الأطفال والاعتناء بزوجها فقط، ولم تخلق للعمل خارج المنزل لأن هذا العمل يمنعها من أداء وظيفتها الأساسية ويؤدي إلى ضعضعة الأسرة وتهلهل المجتمع، وعلينا أن نخطط في هذا الاتجاه فقط، أي أن: (تقوم المرأة فقط بدورها كأم وزوجة) (1). هذه النظرة كانت سبباً في تدهور مكانة المرأة الاجتماعية وإلى ضعف دورها الاجتماعي والاقتصادي، وتعود إلى اعتبارات تتعلق بالعادات والتقاليد القديمة، ومن هذا المنطلق فحصول المرأة على التعليم يعتبر رفاهية، وامتهانها عملاً ما خروجاً على تقاليد المجتمع، وحصولها على الاكتفاء والاستقلال المادي شيئاً غير مرغوب فيه، وتحقيق الذات وتكوين شخصيتها كلاماً ليس له أي معنى أو مدلول - وفق هذه النظرة-. فريق آخر يركّز على كون أهمية الدور الذي تلعبه المرأة لا ينبع فقط من (كونها أماً ومربية جيل، بل من كونها عنصراً فعالاً وقادراً على العمل والإنتاج، ويجب علينا أن نفسح لها مجال العمل الإنتاجي داخل وخارج المنزل) (2). علماً أن العمل المنزلي الأسري رغم أنه في النظريات الحديثة عمل إنتاجي (بدون أجر) إلا أنه غير قادر في جميع الأحوال على امتصاص الأيدي العاملة النسائية بالكامل، فيتوجب على الفائض من هذه الأيدي العاملة الخروج من المنزل للاستفادة من هذه الطاقات غير المستغلة. وقسم كبير من هذا الفريق يركّز أولوية عمل المرأة داخل المنزل وتربية الأطفال والجيل، والسماح لها في الخروج فقط عند انعتاقها من المسؤوليات وفي حال وجود أسباب اقتصادية مادية تدعو إلى ذلك. الفريق الثالث يذهب إلى أبعد من هذا بطرح فكرة كون المرأة والرجل متساويين (المساواة الحسابية المطلقة) (3)، بل المساواة في الإمكانيات والقدرات وخاصةً في الحقوق، وهذا يعني أن المرأة تساوي الرجل عقلياً وفكرياً، وقادرة على العطاء والعمل والإنتاج والإبداع، علماً أن مجالات العمل والإبداع قد تكون مختلفة لكل من الرجل والمرأة، كما أنها تتمتع بالصفات الخلقية والنفسية والفكرية والجسدية التي تؤهلها للمساهمة في جميع الفعاليات الاجتماعية والاقتصادية، وتبوّء المناصب في مختلف المستويات، وأنه من غير المنطق والعدل والحكمة والفائدة الوطنية إبعادها قسراً (مباشرة أو غير مباشرة) عن العمل وتخصيصها فقط بالمنزل، لأننا نكون بذلك قد حرمنا المجتمع من عناصر قد تكون مبدعة ومنتجة في ميادين شتى، والمفروض علينا أن نؤمن للمرأة كما الرجل فرص التعليم والحياة والاختيار بدون أي قسر أو إكراه (مادي أو معنوي، فكري أو اجتماعي عام أو حتى نفسي)، وتأمين فرص الاختيار هذا يشعر المرأة كالرجل أنها عنصر مسؤول يسعى إلى تأمين مستقبله بالشكل الذي يرغب وبالأسلوب الذي يحقق شخصيته وينمي ذاته ويجعل منه عنصراً مميزاً، ويجب أن تشعر المرأة أن قوانين وعادات وإمكانيات المجتمع توفر وتؤمن لها هذا الاختيار وتساعد في تحقيقه تماماً كالرجل، وهنا يتجلى بوضوح مبدأ المساواة. هذه المسؤولية تترتب عليها بالطبع حقوق وواجبات؛ فعليها أن تعي هذه الحقوق وتسعى إلى القيام بواجباتها، بهذا الشكل تأخذ المرأة مكانها الطبيعي (في المنزل والعمل، كأم وكزوجة، وكأخت) وتكون قادرة على أن تعكس صورة واضحة للأمة في تقدمها وفي تخلفها؛ فالأمة التي تكون عنصراً ذا شخصية متكاملة نفسياً وعقلياً وثقافياً هي أمة متقدمة متطورة، وعندما يضيّق على المرأة وتتخلف يكون ذلك أحد المظاهر الواضحة لتخلف الأمة وتراجعها، إذ من غير الممكن إذا كان نصف أعضاء المجتمع غير مكتملي الشخصية والتكوين الفكري والعلمي أن يكون مثل هذا المجتمع سليماً؛ لأن النساء والرجال هم أعضاء لمجتمع واحد؛ لذا يجب التركيز عند الدعوة لإسهام المرأة في التنمية النظر للموضوع في إطاره العام الشامل وليس من زاوية اقتصادية بحتة، فكم من النساء العاملات تهضم حقوقهن ويعطين أزواجهن كامل دخلهن دون أن يكون لهن حتى حق إبداء الرأي. وبرامج التنمية يجب أن تتضمن برامج تغيير للبنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والإعلامية لتحتل المرأة مكانتها وتنال حقوقها (قانونياً - ثقافياً - علمياً - إعلامياً) ولتشعر هي بنفسها أن هذا ليس عطاءً من المجتمع أو من الذي حولها، بل هو أساس وجودها كفرد من أفراد المجتمع وككائن حي كامل الأهلية والحقوق، وإن هذا يحقق خير المجتمع كله لا النساء فحسب، وعلى أسس الشريعة الإسلامية. ثانياً: أهمية التخطيط وأدواته (البحث العلمي.. المعلومات الإحصائية) يتجلى بوضوح من الآراء السابقة المتباينة أن مساهمة المرأة في التنمية لا تتم وسوف لن تتم بالشكل العفوي، كما أنها لا تواكب تطور المجتمع بشكل طبيعي بل لها مقوّماتها الخاصة وأوضاعها المختلفة، وإذا افترضنا جدلاً أن المجتمع قد تقبل طوعاً فكرة خروج المرأة إلى العمل ومشاركتها مشاركة فعّالة في التنمية وبناء مجتمعها، فهل يمكن أن يتم ذلك بين ليلة وضحاها؟!. كلا إن ذلك يحتاج إلى اتخاذ كثير من الإجراءات وإلى تحديد السياسات المختلفة في جميع المجالات والاستراتيجيات، إنه بكلمة مختصرة يحتاج إلى تخطيط قصير ومتوسط وطويل الأجل، وإن فترة الانتقال (انتقال المرأة من وضعها التقليدي إلى امرأة مسؤولة عاملة)(4) هي فترة انتقالية حساسة جداً، تحتاج إلى تدابير خاصة؛ إذ يجب أن لا يغرب عن بالنا أن الأسرة تبقى الخلية الأولى والمهمة في أي مجتمع سليم، وإن بناءها المتكامل هو الأساس في صرح البناء المتين للمجتمع بكامله، كما أن الأطفال هم نواة المجتمع وجيل المستقبل فلا يجوز أن يكونوا هم الضحية لتغيير مفاجئ في المجتمع، فالتنمية هدفها الأول والأخير الإنسان وتحقيق سعادته (رجلاً وامرأة، طفلاً أو شيخاً، أبيضاً أو أسوداً). من هذا المنطلق فالتخطيط لإسهام المرأة في التنمية الاقتصادية التي هي جزء من كل في التنمية العامة الشاملة - اجتماعية، ثقافية.. الخ، يتم برسم السياسات التي تعتمد على المنطق السليم والبحث العلمي. البحث العلمي: كان البحث العلمي فيما مضى أكثر ما يهتم بالعلاقات السببية لدراسة الواقع وملاحظته، أما الآن فإن اهتمام الباحث الحقيقي العلمي ينصب على نواح أخرى غير السببية؛ إذ أصبح الهدف الرئيسي له الحصول على علاقات تربط الظواهر الطبيعية الملاحظة وغيرها ببعضها البعض. ومهما تعددت أساليب البحث فلا يمكن أن يسمى البحث علمياً إلا إذا سار تبعاً لمراحل معينة متميزة صراحة أو ضمناً، وهذه المراحل تكاد لا تختلف في شيء عن المراحل التي يتّبعها الشخص العادي في تفكيره عندما تصادفه مشكلة من مشاكل الحياة اليومية ويمكن تلخيصها كما يلي: 1- الشعور بوجود مشكلة أو مجال يحتاج إلى دراسة أو بحث. 2- تحديد إطار الدراسة أو البحث. 3- وضع فرضيات معينة تتعلق بهذه الدراسة. 4- جمع المعطيات الإحصائية وترتيبها وتصنيفها وعرضها بشكل تسهل الإفادة منها. 5- تفسير المعطيات الإحصائية واستخلاص النتائج وتعميمها إذا أمكن التعميم بعد اختبار دقتها وجودتها لننطلق منها إلى التنبؤ بالمستقبل والتخطيط له. كما نلاحظ أنه بعد تحديد المشكلة وإطارها بشكل دقيق فإن المعطيات الإحصائية تعتبر من أدوات البحث العلمي ومن مستلزماته الأساسية، أي أننا نسعى عن طريق جمع الأدلة والبيانات إلى ترجمة المشكلة الغامضة إلى أرقام والاعتماد على التعبيرات الكمية بدلاً من التعبيرات الكيفية. فمثلاً: إن رسم سياسة تعليمية للمرأة من حيث توفر المدارس اللازمة وعدد المدرسين فيها يعتمد على بيانات وأرقام توضح عدد التلميذات المحتاجات لكل نوع من أنواع التعليم في كل منطقة من المناطق، وبدون هذه المعطيات الإحصائية نجد أنفسنا نتصرف دون هدى أو إرشاد، فنكثر من المدارس في جهة لا تحتاج إليها بينما نقلل منها في جهة أخرى هي في أمس الحاجة إليها، أو ننشئ معاهد لنوع معين من التعليم في منطقة تحتاج إلى نوع آخر من المعاهد. وفي الميادين الصحية نجد أنه لا يمكننا توزيع خدمات صحية تهتم بالأمومة والطفولة مثلاً توزيعاً سليماً يؤدي إلى الدرجة القصوى من الاستفادة، إلا على أساس معطيات إحصائية عن عدد النساء المتزوجات ودرجة الخصوبة ومدى انتشار الأمراض، وفي الميادين الاجتماعية نجد أنفسنا أمام ظواهر معقدة متشابكة كالزواج والطلاق، ولدراسة هذه الظواهر نحتاج إلى مقاييس رقمية تبين مدى انتشارها في المجتمع ومدى تأثيرها وتأثرها بالعوامل الأخرى؛ وبدون هذه المقاييس يستحيل علينا تفهّم أوضاع المرأة على حقيقتها ويصعب جداً بالتالي إعداد خطة سليمة للإصلاح حين تدعو الحاجة إليها، ولكي نصل إلى ما نريده من أرقام ومقاييس كمية وحقائق علمية نجد أنه يلزمنا عادةً إجراء ثلاث عمليات متشابكة وهي: أ) جمع البيانات الأولية اللازمة؛ أي جمع الإحصاءات من: 1- مصادرها الأساسية (ميدانياً). 2- من مصادرها الثانوية. ب) عرض الإحصاءات: 1- عرض ضمن الكتابة. 2- عرض جدولي. 3- عرض بياني. ج) تحليل الإحصاءات لحساب: 1- النسب والمعدلات 2- القيم المركزية (المتوسط). 3- قيم التشتت وعلاقات الارتباط بين المتغيرات. تفسير الإحصاءات واستنباط التقديرات والتنبؤات؛ وتدعى هذه الطريقة في العمل بالطريقة الإحصائية، ويمكن تعريفها كالتالي: (الطريقة الإحصائية: هي إحدى طرق وصف ومقارنة المجموعات والظواهر المتغيرة وإثبات الحقائق العلمية المتصلة بها، شأنها في ذلك شأن أية طريقة من طرق الاستنتاج المنطقي؛ كالطريقة التجريبية مثلاً غير أنها تختلف عن طرق الإثبات الأخرى في أنها تعتمد اعتماداً كلياً على التعبير الرقمي عن الظواهر) (5). ويمكن القول إن عمل أي باحث اجتماعي إحصائي اقتصادي يستخدم الطريقة الإحصائية كإحدى طرق الإثبات العلمي لا ينتهي بجمع البيانات، بل بالعكس إن عمله هذا يبتدئ بجمع البيانات ولا ينتهي إلا بعد أن يقوم بتنقيح هذه البيانات، وتحقيق الهدف من جمعها، فالبيانات الإحصائية (أو أيضاً المعطيات الإحصائية) للباحث العلمي هي بمثابة المواد الأولية لأية عملية إنتاجية لا يستطيع الصانع أن يستفيد من هذه المواد ما لم يحوّلها إلى سلع صالحة قابلة للاستعمال وقادرة على إشباع حاجات معينة لدى الإنسان. حدود المعطيات الإحصائية واستعمالاتها السيئة: كما إن المواد الأولية تختلف في جودتها وتختلف قيمة السلع المنتجة منها تبعاً لذلك؛ فإن المعطيات الإحصائية تختلف أيضاً في دقة تمثيلها للظواهر الخاضعة للبحث، وتختلف تبعاً لذلك قيمة النتائج التي نحصل عليها منها، ومهما بلغت هذه المواد الأولية من الجودة فإنه لا يمكن استعمالها ما لم نحوّلها إلى أشكال مختلفة عن شكلها الأصلي لتصبح صالحة للاستعمال وإشباع الحاجات، وبالمثل فإن المعطيات الإحصائية لا تستطيع إبراز أية حقيقة علمية ما لم نجر عليها التحويلات اللازمة، وتعيين الحدود المنطقية التي تجيز لنا استنتاج الآراء والعلاقات المناسبة. فالمعطيات الإحصائية لا يمكن أن تتعدى حدود إمكانياتها، فهي ليست بالوسيلة التي تستطيع أن تعطينا البرهان القاطع لكل الظواهر، كما أن التفسير الناتج عن هذه المعطيات لا يمكن أن يتعدّى حدود المعطيات العددية. قد يكون التغيير الرقمي عن هذه الظواهر من أقوى وسائل الإقناع والإثبات؛ لأن منطق الأرقام بصورة عامة منطق موضوعي مستقل عن الاعتقاد أو الميل الفردي، غير أنه قد يكون أيضاً من أشد وسائل التضليل إذا أُسيء استعماله، ومع الأسف فإن سوء استعمال المعطيات الإحصائية شائع لدرجة تدعو إلى الأسف، لاسيما وأنه قلما نجد بحثاً اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً أو طبياً يخلو منها، ويرجع ذلك إلى عدم فهم طبيعة الطرق الإحصائية أو إلى معرفة القليل المضلل عنها. إن طرق الإحصاء هي بمثابة الأدوات والآلات للصانع، فهل ننتظر من الصانع أن يؤدي عملاً منتجاً إلا إذا فهم طبيعة الأدوات والآلات التي يستخدمها؟، ويجب أن لا يغيب عن ذهننا أيضاً أن كل طريقة أو أداة مهما كانت فعالة وقوية، لا بدّ لمن يستعملها أن يلتزم الدقة والحكمة والحس السليم كي يصل إلى الهدف ويحقق الغاية من استعمال تلك الطريقة؛ لذلك يجب على الإحصائي أن يتسلح إلى جانب معرفته بالأدوات الإحصائية بحس سليم وتفهم صحيح لواقع المشكلة التي يريد دراستها؛ إذ إنه غالباً ما يتعرض لخطر الإكثار والمغالاة في جمع المعلومات الإحصائية والى خطر الانغمار في المجالات الفنية للأصول والمبادئ الإحصائية وإعطائها الأولوية في البحث. ولعلّ من أخطر وسائل التضليل هو محاولة التوصل إلى نتائج علمية من واقع البيانات الأولية مباشرة، كما لو حاول الصانع تقديم المواد الأولية للمستهلك في شكلها الأصلي، ومع هذا فكثيراً ما نجد مثل تلك الإحصاءات والأبحاث.
المصدر:  محمد الرياشي        25/02/2020  
اطبع عرض القسم اضف للمضلة